الاثنين، 16 يوليو، 2012

التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور- مصطفى حجازي


قراءة في كتاب التخلف الاجتماعي مدخل الى سيكولوجية الانسان المقهور للدكتور مصطفى حجازي


كتاب سيكولوجية الانسان المقهور لللدكتور مصطفى حجازي ينقسم إلى قسمين: يبحث الأول في الملامح النفسية الأساسية للإنسان المقهور، أما الثاني فيستعرض أهم الأساليب الدفاعية التي يجابه بها هذا الإنسان وضعيته في تفاعلها وتناقضها وتغيرها،
 الأطروحة الأساسية للكتاب يمكن إيجازها في أن استمرار التخلف لا ينتج فقط عن استمرار تواجد العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تسبب التخلف، وإنما ينتج أيضا عن الطبيعة النفسية المتخلفة للإنسان والتي تقوم بدورها بتعزيز البنى الاجتماعية والاقتصادية المتخلفة؛ وبالتالي إذا أردنا القضاء على التخلف في مجتمعنا لا يكفي تغيير العوامل الاجتماعية والاقتصادية، كما حاول ذلك بعض السياسيين والقادة والمنظرين، فقاموا باستيراد نظريات اقتصادية واجتماعية طورت في مجتمعات متقدمة وجاءوا ليطبقوها على مجتمعاتنا، وإنما يتم القضاء على التخلف بإضافة جهد آخر يتوجه إلى تغيير عميق في الطبيعة النفسية للإنسان المتخلف، وهكذا يتآزر الفعلان: تغيير الإنسان وتغيير ظروفه، ومن ثم يتم كسر الحلقة المعيبة المساهمة في استدامة التخلف.

الخصائص النفسية للتخلفيستهل المؤلف كتابه بالحديث عن علاقة القهر التي تربط بين المتسلط والإنسان المقهور؛ فيقرر أنه بقدر ما تتضخم أنا السيد وينهار الرباط الإنساني بينه وبين المسود، وتتأكد في ذهن المستبد أسطورة تفوقه وخرافة غباء وعدم آدمية الإنسان المستضعف، يصبح الأول أسير ذاته، وينحدر الثاني إلى أدنى سلم الإنسانية. ثم ينتقل المؤلف إلى بيان المراحل التي تمر بها علاقة القهر، حيث يكون لكل مرحلة بنيتها النفسية الاجتماعية، وخصائصها المميزة التي تعكس بمجموعها جانبا من الوجود المتخلف.

المرحلة الأولى: الرضوخ والقهر خلال هذه المرحلة، التي تدوم فترة طويلة نسبيا، يشكل زمن الرضوخ والاستكانة أو الفترة المظلمة من تاريخ المجتمع ، عصر الانحطاط، وتكون قوى التسلط الداخلي والخارجي في أوج سطوتها، وحالة الرضوخ في أشد درجاتها. و أبرز ملامح هذه المرحلة هو اجتياف (استدخال) عملية التبخيس التي غرسها المتسلط في نفسية الجماهير؛ فيكره الإنسان نفسه ويوجه عدوانيته تجاه نفسه وتجاه أمثاله، ومن ثم يقوم بإزاحة هذه العدوانية ليمارسها تجاه من هو أضعف منه، المرأة التي تمارس نفس الدور تجاه أبنائها.ومن الملامح الأخرى الإعجاب بالمتسلط، وتضخيم تقديره للمستبد؛ فيعطيه حقًا شبه إلهي في السيادة والتمتع بكل الامتيازات، وبالتالي تنشأ علاقة رضوخ "مازوخي" من خلال الاعتراف بحق المتسلط بفرض سيادته، وتنشأ في هذه المرحلة مجموعة من العقد التي تميز حياة الإنسان المقهور أهمها: عقدة النقص، وفقدان الثقة بنفسه وبأمثاله، والتي تجعله يحجم عن كل جديد، ويتجنب كل تجربة قد تساهم قي تغيير وضعه؛ لذلك هو لا يحرك ساكنًا، وإنما ينتظر ذلك البطل المخلّص الذي سينتشله مما هو فيه! وهذا ما يمهد الطريق للتعلق بالزعيم الفرد، تعلقًا يغري بالتسلط والدكتاتورية، إن هذه الأفكار تجعل عملية التحديث تجابه بمقاومة شديدة تحبط البرنامج التنموي. أما عقدة العار، فهي تجعل الإنسان يخجل من ذاته، ويعيش وضعه كعار وجودي يصعب تحمله، فيتمسك بالمظاهر لتشكل سترا لبؤسه الداخلي، ومن ثم يسقط العار على المرأة فتصبح هي رمز الشرف والكرامة التي يبرر من أجلها القتل، ولا بد أن للمتسلط دورًا في تحويل انتباه الإنسان المقهور من حالة الذل والقهر التي يعيشها إلى أمور ثانوية، وبذلك يحمي المتسلط نفسه من ثورة المقهورين.وأخيرا وليس آخرا، يعاني المقهور من اضطراب الديمومة؛ حيث إن طول المعاناة، وعمق القهر والتسلط الذي فرض عليه ينعكس على تجربته الوجودية للديمومة على شكل تضخم في آلام الماضي، وتأزم في معاناة الحاضر وانسداد آفاق المستقبل، ويتفاعل هذا مع عقدة النقص وعقدة العار، مما يغرق الإنسان في ضعفه وعجزه واستسلامه إزاء قوى تتحكم في مصيره، ويحس أنه لا قبل له بمجابهتها.

المرحلة الثانية: الاضطهاد وفيها يبدأ الإنسان بتحويل حالة الغليان العدوانية التي كانت موجهة ضد نفسه إلى الآخرين، بعد عدم تمكنه من كبتها بالآليات التي استخدمها في المرحلة الأولى. إنه يحول عدوانيته إلى الذين يشبهونه، إن لب هذه العملية هو التفتيش عن مخطئ يحمل وزر العدوانية المتراكمة داخليًا، وبذلك يتخلص من شعوره بالذنب ومن عاره وعقد نقصه ويصبها على الآخر، متهما إياه - وبشكل توهمي- أنه يحسده ويريد أن يؤذيه، وهكذا يصبح العدوان عليه مبررًا فهو دفاع عن النفس ليس إلا. إن هذا التفريغ والتحويل للمشاعر السيئة الداخلية تجاه الآخر المقهور مثله ينفع مؤقتا في تخفيف التوتر الداخلي للإنسان المقهور، لكن كل ذلك يفشل في تخليصه وإراحته على المدى البعيد، مما يجعله ينتقل إلى المرحلة الثالثة.المرحلة الثالثة: التمرد والمجابهة عندئذ يصبح العنف المسلح هو السبيل الوحيد ليتخلص الشعب من عقد النقص والجبن والخوف التي غرسها المستعمر والمستبد في عروقه، وهو يحقق بذلك ذاته وينقي نفسه من الكسل والجهل والاتكالية، ولكن -للأسف- كثيرا ما يتحول هذا العنف إلى رد فعل غاضب يعيق إمكانية التفكير والتنظيم طويل الأمد، وهكذا يصبح العنف آلية من آليات الدفاع النفسية التعويضية، فيقع الإنسان المقهور سابقا في نفس أخطاء قاهره المستبد ، ويصبح ممجدا للقوة يستبدل بعقد نقصه السابقة تضخمًا في الذات واستعلاءً على الآخرين، ويصبح هو نفسه مستبدا ومتسلطا على غيره

......................................................

الكتاب من تأليف د.مصطفى حجازي ويقع في 255 صفحة


قراءة ممتعة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق